ابن عجيبة

78

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

التخيير ، وهو الذي يقتضيه العطف بأو ، ومذهب ابن عباس أنها مرتبة . وقد نظم ابن غازي الكفارات التي فيها التخيير أو الترتيب ؛ فقال : خيّر بصوم ثمّ صيد وأذى * وقل لكلّ خصلة : يا حبّذا ورتّب الظّهار والتّمتعا * والقتل ثمّ في اليمين اجتمعا وكيفية التخيير هنا : أن يخير الحكمان القاتل ؛ فإن أراد الجزاء عينوا له ما يهدى ، وإن أراد الإطعام قوموا الصيد بالطعام في ذلك المحل ، فيطعم مدّا لكل مسكين ، وإن أراد الصيام صام يوما لكل مدّ ، وكمل لكسره ، فإذا قوم بعشرة مثلا ونصف مدّ ، صام أحد عشر يوما . ثم ذكر حكمة الجزاء ، فقال : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ أي : فعليه الجزاء أو الإطعام أو الصيام ؛ ليذوق عقوبة سوء فعله ، وسوء هتكه لحرمة الإحرام ، عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ في الجاهلية أو قبل التحريم ، وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ في الآخرة ، وليس فيه ما يمنع الكفارة على العائد ؛ كما حكى عن ابن عباس وشريح . وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ممن أصر على عصيانه . ثم استثنى صيد البحر فقال : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وهو ما لا يعيش إلا في الماء ، وهو حلال كله لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في البحر : « هو الطّهور ماؤه ، الحلّ ميتته » « 1 » . وقال أبو حنيفة : لا يحل منه إلا السمك ، وَطَعامُهُ أي : ما قذفه ، أو طفا على وجهه ؛ لأنه ليس بصيد إنما هو طعام . وقال ابن عباس : طعامه : ما ملّح وبقي مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ، الخطاب بلكم للحاضرين في البحر ، والسيارة : المسافرون في البر ، أي : هو متاع تأتدمون به في البر والبحر ، وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ يحتمل أن يريد به المصدر ، أي الاصطياد ، أو الشيء المصيد ، أو كلاهما ، وتقدم أن ما صاده محرم أو صيد له : ميتة ، وحد الحرمة : ما دُمْتُمْ حُرُماً فإذا حللتم فاصطادوا ، وَاتَّقُوا اللَّهَ في ترك ما حرم عليكم ، الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيجازيكم على ما فعلتم . الإشارة : إذا عقد المريد مع اللّه عقدة السير والمجاهدة ، قد يختبره اللّه - تعالى - في سيره بتيسير الشهوات ، وتسليط العلائق والعوائق ؛ ليعلم الكاذب من الصادق ، فإن كف عنها وأعرض ، هيأه لدخول الحضرة ، وإن انهمك فيها ، واقتنص في شبكتها ، بقي مرهونا في يدها ، أسيرا في قبضة قهرها ، فإذا نهض حتى دخل حرم الحضرة قاصدا لعرفة المعارف ، حرم عليه صيد البر ، وهو كل ما يخرج من بحر الحقيقة إلى شهود بر السّوى ، فرقا بلا جمع ، كائنا ما كان ، رسوما أو علوما أو أحوالا أو أقوالا ، وحلّ له صيد البحر وطعامه ، من أسرار أو أنوار أو حقائق ،

--> ( 1 ) أخرجه مالك في ( الطهارة ، باب الطهور للوضوء ) والبيهقي في الكبرى ( 1 / 3 ) وأبو داود في ( الطهارة ، باب الوضوء بماء البحر ) والترمذي في ( الطهارة ، باب ما جاء في ماء البحر ) والنسائي في ( الطهارة ، باب ماء البحر ) وابن ماجة في ( الطهارة ، باب الوضوء بماء البحر ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه .